من أكثر المسائل التي يكثر فيها الخلط في علاقات العمل مسألة الاستقالة ومدتها؛ فكثير من العاملين يعتقدون أن كل من أراد ترك عمله يجب عليه تقديم استقالة والانتظار ثلاثين يومًا، بينما يفرق نظام العمل السعودي بين العامل الذي يرتبط بعقد محدد المدة والعامل الذي يرتبط بعقد غير محدد المدة، ويترتب على هذا الفرق اختلاف الإجراء والمدد والآثار النظامية.
وقد عرّف نظام العمل «الاستقالة» بأنها إفصاح العامل كتابةً عن رغبته دون إكراه في إنهاء عقد عمل محدد المدة دون تعليق على قيد أو شرط، وقبول صاحب العمل بها. ومن هنا يظهر أن مصطلح الاستقالة بالمعنى النظامي أصبح مرتبطًا بالعقد المحدد المدة تحديدًا.
أولًا: العامل ذو العقد محدد المدة
إذا كان العامل مرتبطًا بعقد محدد المدة وأراد إنهاءه قبل انتهاء مدته، فإنه يتقدم بطلب استقالة. ومن الناحية الإجرائية، تتيح منصة قوى للعامل إدارة عقده الوظيفي الحالي وطلب إنهائه إلكترونيًا، وتوضح المنصة أن «الاستقالة» تكون للعقود المحددة المدة فقط.
وهنا توجد نقطة مهمة جدًا: الثلاثون يومًا ليست مهلة إشعار مفروضة على العامل.
فالمادة (79 مكرر) أعطت صاحب العمل مدة 30 يومًا من تاريخ تقديم طلب الاستقالة للرد عليه، فإذا مضت هذه المدة دون رد عُدّ الطلب مقبولًا حكمًا. كما أجازت لصاحب العمل، إذا اقتضت مصلحة العمل، تأجيل قبول الاستقالة لمدة لا تتجاوز 60 يومًا، بشرط أن يقدم للعامل إيضاحًا مكتوبًا ومسببًا، وأن يحصل التأجيل قبل انتهاء مدة الثلاثين يومًا.
وبالتالي فإن العقد المحدد المدة لا ينتهي لمجرد تقديم العامل طلب الاستقالة، وإنما ينتهي في إحدى الحالات التالية: قبول صاحب العمل للاستقالة، أو مرور 30 يومًا دون رد، أو انتهاء مدة التأجيل النظامية. وخلال هذه الفترة يبقى عقد العمل ساريًا، ويلتزم كل من العامل وصاحب العمل بالتزاماته الناشئة عنه.
كما أعطى النظام العامل فرصة للعدول عن طلب الاستقالة خلال مدة لا تتجاوز 7 أيام من تاريخ تقديمه، ما لم يكن صاحب العمل قد قبل الاستقالة قبل العدول. ولا يصح أن يتضمن طلب الاستقالة تاريخًا مؤجلًا لها.
والأهم أن انتهاء العقد بالاستقالة لا يسقط حقوق العامل؛ إذ نص النظام صراحة على استحقاق العامل الذي انتهى عقده بالاستقالة جميع حقوقه المقررة بموجب نظام العمل.
ثانيًا: العامل ذو العقد غير محدد المدة
الوضع مختلف في العقد غير محدد المدة. فمن الناحية النظامية، لا نتحدث هنا عن «استقالة» بالمفهوم الوارد في تعريف المادة الثانية، وإنما عن إنهاء للعقد بإرادة أحد الطرفين وفق المادة (75)، وهو ما أكدته المادة (74) عندما جعلت إنهاء العقود غير محددة المدة وفق المادة (75) حالة مستقلة عن الاستقالة.
فإذا كان أجر العامل يدفع شهريًا، وأراد العامل إنهاء العقد، وجب عليه توجيه إشعار كتابي إلى صاحب العمل قبل 30 يومًا على الأقل من تاريخ الإنهاء. أما إذا كان صاحب العمل هو من يريد إنهاء العقد، فعليه إشعار العامل قبل 60 يومًا على الأقل.
أما إذا كان الأجر لا يدفع شهريًا، فتكون مهلة الإشعار 30 يومًا على الأقل سواء كان الإنهاء من العامل أو من صاحب العمل. ويشترط النص في إنهاء العقد غير محدد المدة أن يكون الإنهاء قائمًا على سبب مشروع.
وهنا يتضح الفرق بصورة عملية: في العقد غير محدد المدة، الثلاثون يومًا مهلة إشعار فعلية يلتزم بها العامل إذا كان هو من يريد إنهاء العقد، بينما في العقد محدد المدة تكون الثلاثون يومًا مهلة لصاحب العمل للرد على طلب الاستقالة وليست مهلة إشعار على العامل.
ماذا يحدث إذا لم يلتزم العامل بمهلة الإشعار؟
هذا الحكم يتعلق بالعقد غير محدد المدة. فقد قررت المادة (76) أنه إذا لم يراعِ الطرف الذي أنهى العقد مهلة الإشعار المقررة في المادة (75)، فإنه يلتزم بأن يدفع للطرف الآخر مبلغًا يعادل أجر العامل عن مهلة الإشعار، ما لم يتفق الطرفان على أكثر من ذلك.
فإذا كان العامل ملزمًا مثلًا بإشعار صاحب العمل قبل 30 يومًا، ثم أنهى العلاقة مباشرة دون مراعاة هذه المهلة، فقد يترتب عليه مقابل مالي يعادل أجر مدة الإشعار.
الخلاصة
ليس صحيحًا أن كل عامل يريد ترك عمله يخضع لقاعدة واحدة تسمى «مدة الاستقالة 30 يومًا».
العامل ذو العقد محدد المدة يقدم طلب استقالة، والثلاثون يومًا في هذه الحالة هي مدة مقررة لصاحب العمل للرد على الطلب، مع إمكانية تأجيل القبول وفق الضوابط النظامية.
أما العامل ذو العقد غير محدد المدة، فإذا أراد إنهاء عقده فإنه يوجه إشعارًا كتابيًا لصاحب العمل قبل 30 يومًا على الأقل إذا كان أجره شهريًا، ويترتب على عدم مراعاة مهلة الإشعار الأثر المالي المقرر في المادة (76).
ولهذا فإن أول سؤال يجب أن يسبق أي حديث عن «مدة الاستقالة» هو: هل عقد العامل محدد المدة أم غير محدد المدة؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد الإجراء الصحيح، والمدة النظامية، والآثار المترتبة على إنهاء العلاقة العمالية.
أضف تعليق