رحلة الحق الخاص من الجريمة إلى التعويض!

حين تقع الجريمة، تتشعب آثارها في اتجاهين: الأول يمس النظام العام والمجتمع، والثاني يصيب الفرد المتضرر في ماله أو جسده أو كرامته. ولئن كانت الدولة تتولى مسؤولية معاقبة الجاني حماية للمصلحة العامة، فإن للمتضرر حقاً في المطالبة بجبر ضرره. من هذا المنطلق، خصص نظام الإجراءات الجزائية فصلاً كاملاً لتنظيم “الادعاء بالحق الخاص”، ضامناً للمتضرر حقه في المطالبة بالتعويض ضمن إطار الدعوى الجزائية ذاتها.

المرونة في المطالبة بالحق الخاص:

تفتتح المادة السابعة والأربعون بعد المائة من هذا الفصل بتقرير حق أساسي: للمتضرر من الجريمة أو ورثته أن يطالب بحقه الخاص أمام المحكمة الناظرة في الدعوى الجزائية، في أي مرحلة كانت عليها الدعوى، حتى لو رُفض طلبه أثناء التحقيق.

هذه المرونة ليست ترفاً قانونياً، بل استجابة واقعية لطبيعة الأضرار. فالمتضرر قد لا يدرك في البداية حجم خسارته، وقد تتكشف آثار الجريمة تدريجياً. كما أن الصدمة النفسية قد تحول دون تفكيره في المطالبة بحقوقه المالية مبكراً. وبإتاحة المطالبة أمام المحكمة الجزائية ذاتها، يتحقق اقتصاد الإجراءات، ويُحسم النزاع بشقيه في مكان واحد، مما يوفر على المتضرر عناء رفع دعوى منفصلة.

حماية ناقصي الأهلية:

لم يكتف المنظم بحماية كامل الأهلية، بل امتدت الحماية لمن لا يستطيع الدفاع عن نفسه! فنصت المادة الثامنة والأربعون بعد المائة على أنه إذا كان المتضرر ناقص الأهلية دون ولي أو وصي، وجب على المحكمة أن تقيم عليه ولياً يطالب بحقه. وبالمقابل، أوجبت المادة التاسعة والأربعون بعد المائة من ذات الفصل إقامة ولي على المتهم ناقص الأهلية إن لم يكن له ولي أو وصي. هذا التوازن يضمن ألا يُترك أي طرف ضعيفاً دون حماية، وأن يكون الخصام متكافئاً.

هذا الفصل _الفصل الخامس من نظام الإجراءات الجزائية_ يعكس فهماً عميقاً لطبيعة كل دعوى! فالدعوى الجزائية تتعلق بحق المجتمع في معاقبة من يخل بنظامه، بينما دعوى الحق الخاص شخصية يملك صاحبها حرية التصرف فيها. ولو أثر تنازل المتضرر على الدعوى العامة، لأصبحت العدالة رهينة المساومات. فالجريمة تهدد الأمن الاجتماعي بأكمله، ومصلحة المجتمع في المحاسبة تظل قائمة بصرف النظر عن موقف المتضرر.

حرية إدارة الدعوى الخاصة والتنسيق بين المحاكم:

منحت المادة الثانية والخمسون بعد المائة المدعي مرونة في إدارة دعواه: إن تركها فله مواصلتها أمام ذات المحكمة، لكن لا يجوز رفعها أمام محكمة أخرى. هذا يوازن بين حقه في إعادة النظر وبين انضباط الإجراءات ومنع التشتت.

أما المادة الثالثة والخمسون بعد المائة فعالجت حالة من رفع دعواه أمام محكمة مدنية قبل رفع الدعوى الجزائية: أجازت له ترك دعواه المدنية ورفعها أمام المحكمة الجزائية، شريطة ألا يكون باب المرافعة قد أُقفل في أيهما. هذا يمنح المتضرر مرونة لاختيار الطريق الأنسب، مع احترام استقرار الأحكام.

خاتمة:
يشكل الفصل الخامس منظومة متكاملة تبدأ بتقرير حق المطالبة، وتحمي ناقصي الأهلية، وتضع ضوابط إجرائية منضبطة، وتفصل بوضوح بين الدعوى العامة والخاصة، وتمنح المتضرر مرونة كافية. إنها فلسفة عدالة لا تكتفي بمعاقبة الجاني، بل تمد يدها لجبر ضرر الضحية، عدالة تحمي المصلحة العامة دون تجاهل المصلحة الخاصة، وتمنح الجميع فرصاً متساوية للوصول إلى حقوقهم.

⁦2⁩ استجابات لـ “⁦رحلة الحق الخاص من الجريمة إلى التعويض!⁩”

  1. صورة أفاتار
    غير معروف

    مقال رائع جدا .. شكرا لك على هذا المحتوى القيم والواضح..

    أفهم من هذا أنه في حال تعرضت لسرقة مثلا ستقوم النيابة العامة برفع دعوى جزائية للحق العام، وحقي الخاص ٱخذه بدعوى أنا أرفعها؟ أم أن الدعوى التي ترفعها النيابة يتم تعويضي بها عن حقي الخاص؟

    إعجاب

  2. صورة أفاتار
    غير معروف

    نعم تتقدم بمطالبتك بالحق الخاص أمام ذات المحكمة التي تنظر الدعوى الجزائية التي رفعتها النيابة. وهذا هو جوهر المادة “147” يمكنك المطالبة في أي وقت حتى لو كانت الدعوى في مراحلها الأخيرة، والخيار الثاني يمكنك ان ترفع دعوى مدنية منفصلة أمام محكمة مختصة للمطالبة بالتعويض.

    Liked by 1 person

اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد