يثير موضوع التعسف في استعمال الحق جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية، ليس لتعقيده النظري فحسب، بل لكثرة تطبيقاته العملية التي نواجهها يومياً. فمن منا لم يسمع عن جار يستغل حقه في إقامة الحفلات فيرفع الصوت عالياً في أوقات متأخرة من الليل ليضايق جيرانه، أو وريث يستغل نصيبه في الميراث فيرفض تقسيم العقار المشترك بقصد الإضرار بباقي الورثة وحرمانهم من الانتفاع بحقوقهم، أو صاحب عمل يتلاعب بحقوقه الإدارية للانتقام من موظف؟ والأمثلة لا حصر لها!
التعسف في استعمال الحق ظاهرة واسعة الانتشار تتخذ أشكالاً لا تُحصى ولا تُعد، فهي تتجدد وتتطور مع كل تطور في المجتمع اوالتقنية حتى. قد نراها في المحاكم عبر قضايا الجوار والعقود التجارية، وقد نلمسها في حياتنا اليومية من خلال تعاملاتنا مع الآخرين، بل وامتدت في عصرنا الحالي لتشمل التعسف في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الرقمية!
(جوهر المشكلة)
عندما نتحدث عن التعسف في استعمال الحق، فإننا نواجه مفارقة مثيرة للاهتمام: كيف يمكن لشخص أن يُسأل قانونياً عن استعمال حق مشروع يملكه؟ الإجابة تكمن في أن الحق، مهما كان مشروعاً، لا يعطي صاحبه حرية مطلقة في استعماله دون اعتبار لمصالح الآخرين أو للغرض الذي شُرع من أجله هذا الحق.
التعسف في استعمال الحق هو انحراف بالحق عن مساره الطبيعي والمشروع، بحيث يُستخدم كأداة للإضرار أو لتحقيق أغراض لم يُشرع من أجلها. وهذا المفهوم ليس مجرد نظرية! بل واقع نلمسه في كثير من المنازعات التي تعج بها المحاكم.
لقد تبنى نظام المعاملات المدنية السعودي موقفاً واضحاً من هذه المسألة، حيث أكد في المادة الثامنة والعشرين أن “من استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يكون مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر”، مما يعني أن الاستعمال المشروع للحق يبرر صاحبه من أي مسؤولية قد تنشأ عن هذا الاستعمال. لكن النظام لم يتوقف عند هذا الحد، بل وضع في المادة التالية حدوداً واضحة لهذه الحماية.
حيث جاءت المادة التاسعة والعشرون من نظام المعاملات المدنية السعودي لتضع ضوابط دقيقة لتحديد ما يُعتبر تعسفاً في استعمال الحق. هذه المادة لا تكتفي بالنهي العام عن التعسف، بل تحدد بوضوح الحالات التي يُعتبر فيها استعمال الحق تعسفياً.
الحالة الأولى هي عندما لا يقصد صاحب الحق من استعمال حقه سوى الإضرار بالغير. هنا نلمس البُعد النفسي للتعسف، حيث تصبح النية السيئة هي المحرك الأساسي لاستعمال الحق. فالشخص الذي يستغل حقه الثابت قانونياً كوسيلة للانتقام أو إلحاق الأذى بالآخرين، يخرج عن نطاق الاستعمال المشروع للحق ويدخل في دائرة التعسف.
الحالة الثانية تركز على معيار التناسب، حيث يُعتبر الاستعمال تعسفياً إذا كانت المنفعة المحققة لا تتناسب مطلقاً مع الضرر الذي يسببه للغير. هذا المعيار الموضوعي يتطلب من القاضي إجراء موازنة دقيقة بين المصالح المتضاربة، وهو ما يتطلب خبرة وحكمة في التقدير.
أما الحالة الثالثة فتتعلق بانحراف الحق عن الغرض الذي شُرع له، أو استعماله لغاية غير مشروعة. هذا المعيار يتطلب فهماً عميقاً لطبيعة كل حق والحكمة من تشريعه، وهو ما يجعل من دراسة الفقه الإسلامي أمراً ضرورياً لفهم هذا البُعد.
من أكثر المجالات التي نشهد فيها تطبيقات عملية لمبدأ منع التعسف هو مجال علاقات الجوار. المادة الثالثة عشرة بعد الستمائة من نظام المعاملات المدنية تتناول هذا الموضوع بتفصيل مثير للاهتمام، حيث تضع مبدأً عاماً مفاده أن “على المالك ألا يغلو في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار”.
هذه المادة تعكس حكمة تشريعية عميقة، فهي تعترف بحق كل شخص في التصرف في ملكه، لكنها تضع حداً لهذا الحق عندما يتعدى على حقوق الآخرين. والأمر المثير في هذه المادة أنها تميز بين “مضار الجوار المألوفة التي لا يمكن تجنبها” والمضار التي “تجاوزت الحد المألوف”.
هذا التمييز يظهر مدى دقة النظام السعودي في التعامل مع هذه المسائل، فهو لا يمنع كل ضرر قد ينشأ عن استعمال الحق، بل يركز على الأضرار غير المبررة أو التي تتجاوز المألوف. كما أن إشارة المادة إلى مراعاة “العرف، وطبيعة العقارات، وموقع كل منها بالنسبة إلى الآخر، والغرض الذي خصصت له” تُظهر مرونة النظام وقدرته على التكيف مع الظروف المختلفة.
وفي اطار المنافع العامة وحدود الحق الخاص، تطرح المادة الخامسة والثلاثون بعد المائة قضية أخرى مهمة وهي استعمال الحق في المنافع العامة. هذه المادة تُقيد استعمال الحق في المنافع العامة “بسلامة الغير”، وتُحمِّل من يستعمل حقه في منفعة عامة مسؤولية الضرر الذي يلحق بالغير إذا كان “ضرراً يمكن التحرز منه”.
هذا النص يعكس فلسفة مهمة في التشريع السعودي، وهي أن المنافع العامة تحمل في طياتها مسؤولية اجتماعية أكبر. فالشخص الذي يستفيد من منفعة عامة عليه أن يتحمل مسؤولية إضافية في ضمان عدم إضراره بالآخرين، خاصة إذا كان بإمكانه تجنب هذا الضرر.
أما من ناحية الجذور الشرعية والفقهية، لا يمكن فهم موقف النظام السعودي من التعسف في استعمال الحق دون الرجوع إلى الأسس الشرعية التي يستند إليها. فالشريعة الإسلامية سبقت النظم القانونية الحديثة في وضع ضوابط لاستعمال الحقوق، وذلك من خلال قواعد أصولية ونصوص شرعية واضحة.
القاعدة الشهيرة “لا ضرر ولا ضرار” وغيره، تُعتبر من أهم الأسس التي تحكم استعمال الحقوق في الشريعة الإسلامية. هذه القاعدة البسيطة في لفظها، العميقة في معناها، تضع حداً واضحاً لكل استعمال للحق قد يؤدي إلى إضرار بالآخرين.
كما أن القرآن الكريم يحتوي على إشارات واضحة لهذا المبدأ، ومن ذلك قوله تعالى “ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن” في سياق الحديث عن حقوق الأزواج، مما يدل على أن منع استغلال الحقوق للإضرار بالآخرين مبدأ قرآني أصيل.
الفقهاء المسلمون طوروا هذه المبادئ وطبقوها في مسائل متنوعة، من حقوق الجوار إلى المعاملات التجارية. فنجد في كتب الفقه أبواباً مفصلة عن “أحكام الجوار” و”الشفعة” و”المضاربة”، وكلها تعكس فهماً عميقاً لضرورة توازن الحقوق والمصالح.
(التحديات المعاصرة)
في عصرنا الحالي، تواجه نظرية التعسف في استعمال الحق تحديات جديدة لم تكن موجودة من قبل. فالثورة التقنية فتحت مجالات واسعة للتعسف، من استغلال البيانات الشخصية إلى التلاعب في الخوارزميات، ومن التنمر الإلكتروني إلى نشر الأخبار المضللة.
خلاصة القول:
إن مبدأ منع التعسف في استعمال الحق ليس مجرد نص قانوني جاف، بل هو تعبير عن فلسفة عميقة في فهم طبيعة الحقوق ووظيفتها في المجتمع. النظام السعودي، من خلال نظام المعاملات المدنية، قدم نموذجاً متكاملاً يجمع بين الأصالة الشرعية والمعاصرة القانونية في التعامل مع هذه المسألة.
هذا المبدأ يذكرنا بأن الحقوق ليست امتيازات مطلقة، بل هي مسؤوليات اجتماعية نحملها تجاه مجتمعنا. وكلما ازداد وعينا بهذا البُعد الأخلاقي والاجتماعي للحقوق، كلما اقتربنا من بناء مجتمع أكثر عدالة وتوازناً، تُصان فيه الحقوق وتُحترم المصالح المشروعة للجميع.
اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد