في عالم القانون، ليس كل اعتراف يُنهي القضية فوراً. هناك نوع من الاعترافات يسمى “الإقرار غير القضائي”، وهو ببساطة أن تقرّ بحقٍّ لشخص آخر في سياق بعيد عن منصة القضاء؛ ربما في رسالة ودية، أو مجلس صلح، أو حتى أثناء شهادتك في قضية أخرى لا علاقة لها بالنزاع الحالي. ويقال ايضاً “كلمتك هي عقدك”!
الفرق الجوهري هنا هو أن هذا الإقرار لا “يُغلّ يد القاضي” كما يفعل الإقرار القضائي، بل هو بمثابة خيط رفيع يضعه القاضي في ميزانه، فله أن يأخذ به كدليل كامل، وله أن يراه مجرد قرينة تحتاج لأدلة أخرى تسندها.
مثال:الرسائل القديمة!
كان أحمد وعمر زميلي دراسة، وبسبب هذه الثقة القديمة، أقرض عمر صديقه أحمد مبلغاً من المال ليفتتح مشروعه الخاص، دون أن يطلب منه التوقيع على ‘سند لأمر’ أو توثيق رسمي. دارت الأيام، تعثر المشروع، ومع الوقت أنكر أحمد أن بذمته أي مبلغ لعمر، مدعياً أن المال كان ‘شراكة’ خسر فيها الطرفان وليس ديناً.
رفع عمر دعوى يطالب بحقه، لكنه واجه مشكلة غياب الدليل الكتابي. أثناء البحث في مراسلاتهما القديمة، وجد عمر رسالة أرسلها أحمد قبل مدة طويلة، يقول فيها: ‘يا عمر، أنا مقدّر وقفتك معي باللي عطيتني إياه، وبإذن الله أول ما تتوفر السيولة برجعها لك وقفتك معي ما انساها مادمت حي’.
هذا النص لم يُكتب ليُقدم للمحكمة، ولم يقله أحمد أمام القاضي الآن، بل هو “إقرار غير قضائي”. حين قدّمه عمر بجنب عدة محادثات كقرائن مساندة، لم يعتبره القاضي دليلاً ينهي القضية فوراً، لكنه استدعى أحمد وسأله عن الرسالة، واطمأن القاضي من سياقها أن كلام أحمد عن ‘الشراكة’ كان للتهرب فقط، فاعتبر الرسالة إقراراً صحيحاً وألزمه برد الدين.”
جوهر “الإقرار غير القضائي”
خلافاً للإقرار القضائي الذي يتم أمام القاضي أثناء نظر الدعوى ويُنهي النزاع فوراً، يأتي الإقرار غير القضائي كخيطٍ رفيع يُنسج خارج اجواء المحكمة. قد يكون رسالة نصية، أو حديثاً عابراً مسجلاً، أو حتى اعترافاً وارداً في مذكرة قانونية قُدمت في قضية مختلفة تماماً.
تكمن خصوصية هذا النوع في أنه لا يتمتع بـ “الحجية المطلقة”؛ بمعنى أن القاضي غير مُجبر على الأخذ به كحقيقة مسلّم بها، بل يخضع لتقدير المحكمة وفطنتها، حيث تبحث في ظروف صدوره ومدى صدقه، ومدى اتساقه مع أدلة الدعوى الأخرى.
خاتمة:
إن الإقرار غير القضائي يذكرنا بأن الكلمات لا تتبخر بمجرد النطق بها أو كتابتها في سياق خاص؛ فهي تظل تحمل وزناً قانونياً قد يُستدعى في أي لحظة لتصحيح المسار. هو وسيلة لحماية الحقوق التي قد تضيع بسبب الثقة المفرطة أو غياب التوثيق الرسمي لها.
أضف تعليق