أعلنت وزارة العدل قبل اسابيع عن تعديلات جوهرية على اللائحة التنفيذية لنظام التنفيذ. هذه التعديلات لا تمثل مجرد تغيير في مواد النظام، بل تعكس “فلسفة جديدة” تهدف إلى تسريع استيفاء الحقوق وتعزيز الثقة في التعاملات، مع مراعاة الطبيعة الخاصة للقضايا الأسرية.
أولًا: إنهاء المماطلة في منازعات الشيكات :
تخيل أنك تحمل شيكاً مستحقاً يمثل مبلغاً مالياً كبيراً، لكن المدين”المديون” يتقدم بـمنازعة يطعن فيها على الشيك، ومجرد تقديمه لهذه المنازعة كان يوقف إجراءات التنفيذ!! هذا الوضع، الذي كان ينص عليه سابقاً في الفقرة (6) من المادة (7)، كان يُستغل للأسف من قبل البعض كـ“ثغرة للمماطلة”. كان الغرض هو تعطيل عملية تحصيل الحق وإطالة أمد النزاع أو التقاضي دون أساس قوي!
التعديل الجديد جاء ليضع حداً حاسماً لهذا الاستغلال. فنصت اللائحة الآن على قاعدة ذهبية: “لا يُوقف التنفيذ إلا إذا قام المنفذ ضده بإيداع قيمة الشيك كاملة في حساب المحكمة، ما لم تقرر الدائرة خلاف ذلك.”
مثال توضيحي:
إذا طالب الدائن بتنفيذ شيك بقيمة 500,000 ريال سعودي، وأراد المدين”المديون” الاعتراض والمنازعة في صحته، فإنه الآن ملزم بإيداع مبلغ الـ500,000 ريال في حساب المحكمة أولًا. هذا الإيداع هو ضمان الجدية. إذا ثبتت صحة اعتراضه بعد ذلك، يسترد المبلغ. أما إذا كان اعتراضه مجرد كيدي، فلن يتمكن من تعطيل التنفيذ، وسيتم صرف المبلغ للدائن”صاحب الحق”فوراً بمجرد رفض المنازعة.
هذا الإجراء يضمن أن كل اعتراض هو اعتراض جاد ومصحوب بضمان مالي، مما يمنح حاملي الشيكات ثقة أكبر في النظام التجاري والقضائي.
ثانياً: اختصاص القضاء الأسري”نظام الأحوال الشخصية” بقضايا عودة الزوجة:
كانت المادة (75) الملغاة حالياً تثير نوعاً من التداخل القضائي. كانت تمنح قاضي التنفيذ سلطة متابعة تنفيذ أحكام “عودة الزوجة إلى زوجها”، خاصة إذا كانت هذه الأحكام تتضمن التزامات مالية على الزوج (مثل النفقة المستحقة).
إلغاء المادة (75) جاء ليعيد الأمور إلى نصابها المنطقي والطبيعي: القضايا الأسرية، وعلى رأسها “أحكام عودة الزوجة”، هي قضايا ذات طابع إنساني واجتماعي حساس. هذه الملفات تتطلب إلماماً بالجوانب الأسرية والنفسية، وهو ما يتخصص فيه قاضي الأحوال الشخصية دون غيره.
التخصص هو جوهر العدالة:
الآن، يتفرغ قاضي التنفيذ للقضايا المالية والتجارية البحتة، بينما تعود قضايا الأحوال الشخصية بشكل كامل لمرجعيتها الأصلية. هذا الإلغاء يحقق العدالة المتخصصة ويضمن أن يتم التعامل مع كل قضية وفقاً لطبيعتها الحساسة، بعيداً عن لغة التنفيذ المالي الصارمة.
ختاماً:
وزارة العدل تسعى لترسيخ نظام قضائي حديث يوازن بمهارة فائقة بين السرعة والعدالة.
- ففي الشيكات: تم تحقيق السرعة والردع ضد المماطلة!
- وفي القضايا الأسرية: تم تحقيق التخصص والإنصاف في التعامل مع القضايا الإنسانية او الأسرية بمعنى أدق!
هذه الخطواتين المهمتين تدعم بشكل مباشر في بناء قطاع عدلي متطور، وتسهم بشكل مباشر في بناء بيئة أعمال أكثر ضماناً واستقراراً على الناحيتين الإقتصادية والإجتماعية في المملكة، بل ونطمح ونشجع بالمزيد من التعديلات التي تترجم هذه الفلسفة الجديدة.
أضف تعليق