حين يتأخر الحق ولا يسقط: الحيلولة بين الفقه والنظام السعودي

مقدمة:

تقوم القاعدة الأساسية في الفقه الإسلامي على أن “الحقوق لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء”. إلا أن هناك حالات يبقى فيها الحق ثابتاً لصاحبه، لكن توجد موانع تحول دون استيفائه. وهنا يأتي مفهوم الحيلولة كأحد المفاهيم المهمة في الفقه الإسلامي الذي لا يزال له تطبيقات واسعة في الأنظمة القانونية المعاصرة، ومنها النظام السعودي.

أولاً: تعريف الحيلولة:

التعريف اللغوي:
الحيلولة في اللغة تعني المنع والاعتراض بين شيئين. يُقال: حال بينه وبين مراده، أي منعه من الوصول إليه. الظالم الذي يحول بين الإنسان وحقه ويمنعه من نيله والإستفادة منه.

قال الله تعالى في سورة الأعراف:{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، هذه صورة من صور الحيلولة؛ هو جوهر المعنى القرآني للحيلولة في سياق الحقوق وهذا ليس على سبيل الحصر .

التعريف الاصطلاحي:
الحيلولة في اصطلاح الفقهاء هي: منع صاحب الحق من استيفاء حقه مع بقاء الحق ثابتاً في الذمة. ويشمل هذا التعريف ثلاثة عناصر:

– وجود حق ثابت لصاحبه.

– وجود مانع يحول دون استيفاء الحق.

– استمرار ثبوت الحق رغم وجود المانع.

ثانياً: أنواع الحيلولة:

النوع الأول: الحيلولة القولية (الحكمية)
وهي التي تنشأ بسببين؛  إما بحكم أو بقرار رسمي، يمنع من استيفاء الحق، ومن أمثلتها:

√ تعليق تنفيذ الأحكام: عندما يحكم القاضي بتعليق التنفيذ على المدين المعسر.
√وقف الدعوى: عند ارتباط الدعوى بدعوى أخرى يجب الفصل فيها أولاً.
√الحجز الاحتياطي: عندما يحجز على أموال المدين احتياطياً لضمان حقوق الدائنين.
√قرارات إدارية: مثل تجميد الحسابات بقرار من السلطات المختصة او حكم قضائي.

النوع الثاني: الحيلولة الفعلية (الواقعية):
وهي التي تحدث بسبب أفعال أو وقائع مادية تمنع الوصول إلى الحق. ومن أمثلتها:
الغصب: استيلاء شخص على مال غيره ومنعه من الوصول إليه وهذا له صور كثيرة.
الحجز القضائي: تجميد الأموال بأمر من المحكمة.
فقدان المال: اختفاء المال أو تلفه بسبب ظروف خارجة عن الإرادة.
الاستيلاء بالقوة: في حالات الحروب أو الاضطرابات الأمنية.

ثالثاً: أحكام الحيلولة:

الحكم الأول: عدم سقوط الحق
الحيلولة لا تُسقط الحق الأصلي، بل تؤخر استيفاءه فقط. فالدائن يبقى دائناً والمالك يبقى مالكاً، لكن لا يستطيع ممارسة حقه مؤقتاً.

الحكم الثاني: الحق في بدل الحيلولة
عندما يتعذر رد الحق عيناً، يحق لصاحب الحق المطالبة ببدل الحيلولة، وهو:

– المثل: إذا كان الشيء مثلياً (كالنقود والحبوب)

– القيمة: إذا كان الشيء قيمياً (كالعقارات والسيارات)

– التعويض: عن الأضرار الناجمة عن التأخير.

الحكم الثالث: ضمان الحائل
في الحيلولة الفعلية، يتحمل من تسبب في الحيلولة “الحائل” ضمان الحق ونتائجه من نماء وأرباح.

رابعاً: التطبيقات في النظام السعودي بشكل عام:

في نظام التنفيذ:

– تعليق التنفيذ عند ثبوت إعسار المدين.

– الحجز الاحتياطي على أموال المدين.

– منع التصرف في الأموال المحجوز عليها.

في نظام المرافعات الشرعية:

– وقف الدعوى لارتباطها بدعوى أخرى.

– إيقاف التنفيذ في حالات خاصة.

–  الحراسة القضائية للأموال المتنازع عليها.

في الأنظمة المالية والتجارية:

– نظام مكافحة غسل الأموال: تجميد الحسابات المشبوهة

– نظام الإفلاس: منع المفلس من التصرف في أمواله

– نظام الشركات: تجميد أموال الشركة عند التصفية

خامساً: ضوابط الحيلولة:

الضوابط الشرعية:

1. وجود مبرر شرعي معتبر للحيلولة

2. التناسب بين الحيلولة والمصلحة المحققة

3. اختيار الحيلولة المؤقتة عند الإمكان

الضوابط النظامية:

1. صدور الحيلولة من جهة مختصة

2. اتباع الإجراءات النظامية المقررة

3. إتاحة طرق الطعن والاعتراض لصاحب الحق

خاتمة:

تعتبر الحيلولة مفهوماً مهماً في الفقه الإسلامي والنظام السعودي، حيث توازن بين حماية الحقوق الفردية ومتطلبات المصلحة العامة. وهي تحقق العدالة من خلال عدم إسقاط الحق بالتأخير، وضمان التعويض المناسب عند تعذر الاستيفاء.

ويبقى هذا المفهوم قابلاً للتطبيق على المستجدات القانونية المعاصرة، وشاهداً على سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها، وقدرتها على مواكبة تطورات الزمن دون أن تفقد جوهرها القائم على العدالة والإنصاف.

أضف تعليق